تاريخ السامريين

السامريون هم السلالة الحقيقية لشعب بني اسرائيل، هم اشعاع القدماء الذين لم يغادروا الاراضي المقدسة، منذ خروجهم من مصر قادمين الى ارض فلسطين، أي قبل ثلاثة الآف وستمائة وخمسة واربعين سنة وحتى الآن. هم اصغر وأقدم وأعرق طائفة موجودة في العالم، وعلى الرغم من أهمية هذه الطائفة تاريخيا ودينيا واجتماعيا وعراقة عاداتها وتقاليدها وثقافتها مع الحضارات القديمة والمتتابعة على الاراضي المقدسة، الا أنها لم تحظ بالاهتمام الكافي من قبل الكتاب والباحثين وعلماء التاريخ والآثار الا في مطلع القرن العشرين. ورغم مرور السنين السحيقة في القدم، الا انهم لم يفقدوا هويتهم كشعب قائم بحد ذاته.

 السامريون هم السلالة الحقيقية لشعب بني اسرائيل. وكلمة سامري محرفة من الكلمة العبرية "شامري" اي بلفظ الشين "سين" والتي تعني محافظ. اي المحافظون على الديانة العبرية القديمة، والذين بقوا امناء لها من سائر بني اسرائيل. بعد دخول هذا الشعب الى الاراضي الكنعانية قبل 3645 سنة ( 1638 ق.م.)، قام يوشع بن نون القائد الاسرائيلي الذي خلف موسى بن عمران في قيادة هذا الشعب، يرافقه العازار بن هارون الكاهن الاعظم لشعب بني اسرائيل، بنصب خيمة الاجتماع على قمة جبل جرزيم، الجبل الجنوبي لمدينة نابلس (شكيم)، بعد ستة سنوات من دخول شعب بني اسرائيل الى الاراضي المقدسة. وظلت الخيمة على هذا الجبل المقدس يكهن فيها نسل هارون بالوراثة، فكهن فيها العازار بن هارون وفينحاس ابنه وابيشع وشيشي وبقي، مدة 260 سنة، اطلق عليها سنوات الرضى. 

 ولما آلت خلافة الكاهن الأكبر بعد بقي الى ولده عزي، ولما كان عزي عند موت أبيه في سن الثالثة والعشرين، اي دون السن الثلاثين، التي يسمح له استلام هذا المنصب الكهنوتي الرفيع، كان حينئذ عالي الكاهن من نسل ايتامر  أخي فينحاس بن هارون، وكيلا على العشور والذبائح والتقدمات، باشراف وتحت مناظرة الكاهن الاعظم على المذبح.

 كانت رئاسة الكهنوت الأعظم منوطة في نسل فينحاس بن هارون، ولما كان عزي الوارث الشرعي قاصرا، وكان عالي متوكلا على الذبائح والتقدمات والعشور، وقد اثرى منها وجمع مالا كثيرا، طمحت نفسه الى رئاسة الكهنوت نظرا لتقدمه في السن وصغر عزي. انف ان يكون خاضعا لعزي وهو دونه سنا، فقال لبطانته وحاشيته لست اطيق ذلك على نفسي فاطلب اليكم ان لا تخضعوا له. وجعل يرشوهم ويحرضهم على العصيان حتى اجتمع اليه عدد كبير عاهدوه ان ينقادوا اليه ويأتمرا بامره واقسموا له يمين الطاعة والولاء.

 وذات يوم قدم عالي على المذبح تقدمة دقيق ونسي ان يضع ملحا لما كان عليه من انشغال البال  بمآربه، فوبخه عزي على اهماله فاغتاظ قوم عالي وانتصروا له ونشأ خصام امتد لهيبه واتسع، فانشطر بنو اسرائيل شطرين. فلزم عزي الكاهن بنو يوسف من اهل شكيم وجوارها عشرة اسباط، وانحاز السبطين يهودا وبنيامين الى عالي بن يفني.

 على أثر هذا الخلاف والخصام، هجر عالي وقومه جبل جرزيم وذهبوا الى شيلوه وسكنوا بها، وبقي عزي في الخيمة في جرزيم. وجعل عالي يبث دعوته بين بني اسرائيل داعيا اياهم ان ياتوا الى شيلوه ويشاهدوا المعجزات والآيات التي تجري هناك.  واخذ عالي معه نسخا كثيرة من التوراة مكتوبة بخط جده ايتامار الكاهن. على ان هذه النسخ كانت صحيحة ولم يغير منها عالي شيئا. ولكنه عمل صندوقا غشاه بالذهب كتابوت العهد عليه كروبيم وادعى انه التابوت الحقيقي، وانه اتصل اليه بوسائل الهية ولم يغير عالي شيئا من شريعة موسى، لكنه ابدل المكان المختار.

 قبل أن يتولى عزي الكهنوت الأعظم بتسعة سنوات، تولى قيادة الشعب الاسرائيلي شمشون الجبار، وأثناء قيادته هذه بدأ الاسرائيليون يختلطون بالأمم المجاورة فأصهروا اليهم واقتبسوا عوائدهم وعباداتهم الوثنية، واتصل الأمر الى الكهنة ففسدوا هم ايضا وفسق كثيرون من بني اسرائيل عن ديانتهم، وكفوا عن استقبال جرزيم في صلواتهم وعبدوا الاصنام. وامتد الفساد حتى آل الأمر الى انخذال شمشون وانتصار الفلسطينين عليه. ولم يبقى ملتزمين بالديانة العبرية القديمة سوى اؤلئك الساكنين على جبل جرزيم وما حوله من المدن والقرى.

 وعلى اثر هذا الخلاف الديني ما بين عزي وابن عموميته عالي على خلفية الكهنوت الأعظم، وانفصال عالي وجماعته واستبداله الجبل المقدس جرزيم ب- شيلوه التي تقع الى الشمال الشرقي من مدينة شكيم والتي تبعد عنها خمسة وعشرين كيلو متر. غضب رب العالمين على بني اسرائيل فأخفى عنهم خيمة الأجتماع  الموجودة على جبل جرزيم.

 على الرغم من الانقسام الديني للدولة العبرية. لكنها بقيت موحدة سياسيا الى أن جاء عهد الملك سليمان( 923 ق.م ) الذي بنى هيكله في القدس مخالفا لتعاليم التوراة، من أجل دوافع سياسية، لأن الدين الاسرائيلي يحرم اقامة الهيكل خارج نطاق جبل جرزيم المقدس، سواء أكان في القدس او خارجها. وبعد وفاة الملك سليمان تولى الحكم ولده رحبعام الملك، ولما رفض الملك رحبعام رفع الضرائب التي كان قد فرضها والده الملك سليمان اثناء بنائه هيكله في القدس، او حتى تخفيضها، على السكان الشماليين من الدولة العبرية، انقسمت الدولة العبرية الى مملكتين، المملكة الجنوبية، مملكة يهودا التي اتخذت من القدس عاصمة لها. والمملكة الشمالية مملكة اسرائيل "السامره"  وعاصمتها سبسطية، واصبحت المملكتان متنافستين واحيانا متعاديتين، وكان لكل منهما ايام ازدهار وانحطاط، وميزان القوى يميل تارة لمصلحة اسرائيل، وطورا الى جانب يهودا.

وجاء الانشقاق الثالث والأخير بين السامريين واليهود، عندما دمر يوحنان هركانوس المكابي هيكل السامريين من على قمة جبل جرزيم، حصل هذا في نهاية القرن الثاني قبل الميلاد، في عهد المكابيين، في سنة 128 ق.م.  وعام 107 ق.م. 

عند انقسام الدولة العبرية الى مملكتين، المملكة الجنوبية " مملكة يهودا "، كان ينتسب اليها سبطين فقط هما سبط يهودا وسبط بنياميم. وأما المملكة الشمالية "مملكة السامرة" كان ينتسب اليها العشرة اسباط الباقية. كان عدد سكان المملكة السامرية "مملكة الشمال" يعد بالملايين، وتضاءل هذا العدد حتى وصل في القرنين الرابع والخامس للميلاد المليون ومائتي الف نسمة، كانوا يسكنون في مدن وقرى كثيرة في ارض فلسطين، من جنوب سوريا وحتى شمال مصر.

الا ان الاحكام التي مورست ضدهم وما حل بهم من مذابح وملاحقات واكراه للتخلي عن دينهم بالاضافة الى الحالة الاقتصادية، أدت الى تقليص عددهم حتى وصل عام 1917 الى (146) نسمة. أما الآن فيبلغ عددهم (710) نسمة، نصفهم يسكن في الجبل الجنوبي "جبل جرزيم" من مدينة نابلس، والقسم الآخر يسكن في مدينة حولون قرب تل أبيب.

ينتسب السامريون الآن الى ثلاثة اسباط من الاسباط الاثنى عشر، اولاد سيدنا يعقوب، هما سبط لاوي الذي تنتمي اليه عائلة الكهنة، وسبطا ابناء سيدنا يوسف، افرايم ومنشي تنتمي اليه بقية العائلات الاربع الاخرى دنفي، صدقة، مفرج وسراوي.

 ترتكز الديانة السامرية على خمسة اركان اساسية، هي: وحدانية الله الواحد الأحد، ونبوة موسى بن عمران كليم الله ورسوله، التوراة  خمسة اسفار سيدنا موسى فقط، قدسية جبل جرزيم (الجبل الجنوبي لمدينة نابلس)، قبلة السامريين ومأوى افئدتهم، واليوم الآخر يوم الحساب والعقاب. وكل سامري لا يؤمن بالأركان الخمسة هذه، ايمانا اكيدا ثابتا وراسخا غير قابل للشك، لا يعتبر سامريا.

العقيدة السامرية تعتمد على العشرة وصايا التي انزلها رب العالمين على موسى الكليم، في جبل سيناء، بعد خروجهم من مصر وتحررهم من عبودية فرعونها،  هي: لا يكن لك الهة اخرى امامي، لا تنطق باسم الله كذبا، احفظ يوم السبت، احترم اباك وامك، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد شهادة زور، لا تشته بيت قريبك وما يحويه، احفظ قدسية جبل جرزيم، الذي اختاره المولى لأقامة الشعائر الدينية عليه.

السامريون يؤمنون بخمسة اسفار سيدنا موسى فقط هي: التكوين والخروج واللاويون والعدد والتثنية . ويملكون اقدم  نسخة خطية للتوراة في العالم، حيث يعود تاريخها الى ما قبل 3633  سنة، وكاتبها الرابع من هارون، ابيشع بن فينخاس بن العازر بن هارون، شقيق سيدنا موسى. كتبت بعد دخول شعب بني اسرائيل  الى الاراضي المقدسة بثلاث عشرة سنة. ومكتوبة باللغة العبرية القديمة وعدد حروفها اثنان وعشرون حرفا، تكتب من اليمين الى اليسار، وحتى  القرن الاول قبل الميلاد كان اليهود يكتبونها ويتكلمون بها. لكن عزرا هسوفير قام بتغيرها الى اللغة العبرية الاشورية والتي يستعملونها الآن، والتوراة السامرية تختلف عن التوراة النسخة اليهودية بسبعة الاف خلاف بين كلمة واية وسورة. أما كلمة التوراة تعني التورية، الناموس،  حيث يجد الانسان فيها كل ما يحتاجه في هذا الوجود.

 جبل جرزيم هو جبل الفرائض، اختاره الله لتقديم عليه القرابين والعشور والاضاحي. هو احد الاركان الخمسة التي يرتكز عليها الدين السامري. يعتبر قبلتهم ومأوى افئدتهم. بنى ابراهيم عليه السلام مذبحه فيه، واراد ان يقرب ولده اسحق عليه، رأى يعقوب عليه السلام حلمه فيه، عند دخول يوشع بن نون الاراضي المقدسة، بنى الكاهن الأكبر العازار بن فينخاس، هيكل موسى من على قمته، خص الله جبل جرزيم بثلاثة عشر اسما مميزا  في الشريعة المقدسة , لكن القدس لم تذكرها التوراة المقدسة ولا مرة واحدة.

 يرأس الطائفة السامرية الكاهن الأكبر، ويجب أن يكون الأكبر جيلا من عائلة الكهنة, من سلالة العازر بن هارون،  يساعده في مهامه هذه اثنى عشر كاهنا، وهو الذي يقرر كل ما يتعلق في الشؤون الدينية، سواء اكان السامريون سكان جبل جرزيم ام الذين يقطنون في مدينة خولون قرب تل أبيب. . أما في الشؤون الدنيوية حيث  ينتخب لجنتان في كل من جبل جرزيم وخولون لأدارة امور الطائفة يرأس كل منهما سكرتير. وتنتخب اللجان مرة كل سنتين وبطرق ديمقراطية.

 يحتفل السامريون باعياد التوراة فقط  وهي سبعة: عيد الفسح " عيد القربان" ، عيد الفطير ( العجين الغير مختمر)، عيد الحصاد، عيد راس السنة العبرية، عيد الغفران، عيد العرش "المظال"، العيد الثامن او فرحة التوراة. وليس للسامريين اعياد وطنية او قومية. ومن خلال هذه الاعياد يحج السامريون الى جبلهم المقدس " جبل جرزيم"  ثلاث مرات سنويا، اثناء عيد الفسح وعيد الحصاد وعيد العرش.

 السامريون كانوا وما زالوا،  يكونون جسر سلام  في الصراع العربي الاسرائيلي، بين طرفي النزاع  ازاء المشكلة الفلسطينية.  ليس فقط لحسن علاقاتهم مع كلا الطرفين فحسب، بل لأن الشعبين الفلسطيني والاسرائيلي يجب أن يتخذوا  من السامريين عبرة، بعد أن كان المجتمع السامري يعد بالملايين في الماضي، اصبح اصغر مجتمع موجود في العالم، بسبب  كثرة الحروب التي خاضها  عبر الالاف من السنين، والذي لا طائل له  فيها،  الحرب ليس فيها منتصر ومهزوم، الحرب كلها خسارة للطرفين، والسلام هو سيد الاحكام، وليس هناك افضل من هذا المجتمع الصغير ان تتخذه المجتمعات الأخرى عبرة  وعظة من أجل السلام.                    

Designed and developed by START Web services & Graphic design